أختي الكريمة.. إن لم توقظكِ هذه الكلمات.. فلن يوقظكِ شيء بعدها

 

أختي.. قبل أن تنزعي حجابك..اقرئي هذا إن لم يحرك فيك هذا الكلام شيئا ! ، افعلي ما شئتِ"


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل له عقلاً يُبصر به عواقب الأمور، وبصيرةً يُميّز بها بين الطريقين. والصلاة والسلام على نبيه الكريم، الذي قال: "ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء"، وقال: "والمرأة عورة"، فجعل الله سترها كرامةً لها لا قيداً عليها.

أما بعد:

فإن القلب إذا غفل نام، وإذا نام هلك صاحبه وهو لا يشعر. وإن من أعظم ما يوقظ القلب أن يُسافر بعقله إلى ما أمامه، فيرى بعين اليقين ما ينتظره، قبل أن يراه بعين الرأس وقد فات الأوان.

فهذه كلمات أضعها بين يديكِ أيتها المسلمة، لا لأجلسَ في مقعد القاضي عليكِ، فالله وحده هو الحكم، ولكن لأن الله قال: ﴿وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾، وأنا ذاكر وأنتِ تتذكرين، والله بيننا شهيد.

 

فتخيّلي معي أيتها الأخت، طريقين لا ثالث لهما، وامرأتين لا تشبه إحداهما الأخرى إلا في أنهما بدأتا من نقطة واحدة: يوم وُلدتا على الفطرة. ثم افترق الطريق.


المرحلة الأولى: لحظة الموت

 

المتبرجة

تخيّلي نفسكِ وقد أمضيتِ عمركِ تؤثرين إعجاب الناس على رضا ربك. كان المرآة أول ما تلقينَه كل صباح، وكانت الزينة شغلكِ الأول قبل الصلاة. وكنتِ تعلمين في قرارة نفسك أن ثمة شيئاً ما بينكِ وبين الله لم يستقم، ولكنكِ كنتِ تقولين: سأتوب يوماً ما، والأيام طويلة، والعمر أمامي.

فتخيّلي ذلك اليوم الذي لم تتوقعيه. ربما كنتِ في الطريق عائدة من حفلة، أو أمام شاشتك، أو في غرفتك والموسيقى تصخب من حولك. ولم يأذن لكِ الموت أن تختاري توقيته.

فتخيّلي نفسكِ وقد صُرعتِ للموت صرعةً لا تقومين منها إلا إلى الحشر.

تخيّلي الملك يبدأ بجذب روحك من أسفل قدميكِ، وهو يجذبها كما يُنتزع السِّفّود الشائك من الصوف المبلول، ألم يصف النبي ذلك؟ فتصاعدت الروح بالألم الشديد من أسفلك إلى أعلاك، وكل عضو تمر منه يصرخ بالوجع، حتى بلغت روحك حلقومك.

وفي تلك اللحظة التي تكشف فيها الغطاء، رأيتِ وجه الملك. فكان قبيحاً كريه المنظر، ووجدتِ في نفسك ما لا يُوصف من الخوف. ونظر إليكِ بعين لا رحمة فيها لمن استخف برب العالمين، وفتح فمه بالبشرى التي هي في حق الظالم نذارة:

"أبشري يا عدوة الله بغضبه وعقابه."

فاستيقنتِ في تلك اللحظة أن اللعبة انتهت، وأن الستار أُسدل، وأنكِ تحولتِ من دار العمل إلى دار الجزاء. فلا توبة بعد اليوم، ولا رجعة، ولا مهلة. وذكرتِ كل تحذير سمعتِه فاستهنتِ به، وكل داعية سخرتِ منها، وكل صلاة أخّرتِها من أجل ساعة زينة.

فتخيّلي تلك اللحظة بعقل فارغ، لعل قلبكِ أن يستيقظ قبل أن تجيء.


العفيفة

تخيّلي في المقابل تلك المرأة التي آثرت رضا الله. كانت الناس تنظر إليها أحياناً بعين الاستغراب، وتسمع من بعضهم كلاماً يجرح. ولكنها كانت تحمل في قلبها يقيناً راسخاً: أن الله يراها، وأن ما عنده خير وأبقى.

فلما جاءها الموت ولم تستأذن، كانت في وضعها الذي لا تستحي منه لو رآها أحد. ولما بدأ الملك يجذب روحها، جذبها برفق كما يُخرج الخيط الرقيق من الماء، لما روى النبي في الفرق بين روح المؤمن وروح الكافر. وانتزعت روحها بهدوء، ثم نظرت إلى وجه الملك.

فكان حسناً مضيئاً، وابتسم لها ابتسامة من عرف قيمة ما يحمل.

ثم سمعت منه ما طالما تمنته في سجداتها الطويلة حين كانت تناجي ربها في الليل:

"أبشري يا ولية الله برضاه وثوابه."

فاستقر قلبها، وذهب الخوف، وحل محله سكينة لا تُشبه شيئاً ذاقته في الدنيا. وعلمت أن صبرها لم يضع، وأن دموعها في الليل لم تذهب سُدى، وأن الله كان يراها في كل لحظة آثرت فيها حجابها على راحتها.


المرحلة الثانية: القبر وسؤال الملكين

 

المتبرجة

تخيّلي نفسكِ في لحد ضيق، وقد سقطت أكفانك، والظلام من حولك ظلام لم تعرفيه من قبل. ثم سمعتِ دوياً يهز الأرض من تحتك، وأقبل الملكان بصورة تذهل العقول.

ونظرتِ إلى وجهيهما فكانا في أشد ما يكون من هول المنظر. وجلستِ بين يديهما مضطربة الجوارح، وسألاكِ:

"مَن ربُّكِ؟ وما دينُكِ؟ ومَن نبيُّكِ؟"

فتلجلج لسانكِ. عرفتِ الإجابات في الدنيا ولكن هول الموقف أذهل عقلكِ. ثم ضربا بأرجلهما جانبَي قبركِ، فانفرج عن النار تتأجج بحريقها. وقالا لكِ وأنتِ تنظرين إلى تلك النار بعجز:

"انظري إلى ما أعد الله لكِ، هذا منزلكِ ومصيركِ."

تخيّلي نفسكِ في تلك اللحظة. كانت في الدنيا الشاشات تُضيء وجهكِ وعيونهم عليكِ، أما الآن فلا مُعجب ولا منقذ، ولا أحد يشارككِ هذا الظلام إلا عملك.


العفيفة

تخيّلي العفيفة في قبرها وقد فُسح له مد البصر. والملكان أتياها بوجه يبعث على الاطمئنان. وسألاها فأجابت بثبات، لأن الله ثبّتها بالقول الثابت كما وعد:

﴿يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾

ثم ضربا بأرجلهما جانبَي قبرها، فانفرج عن الجنة بزينتها ونعيمها. وقالا لها:

"يا أمة الله، انظري إلى ما أعد الله لكِ، هذا منزلكِ ومصيركِ."

فرأت ما رأت، وعلمت أنها صائرة إليه لا محالة. وامتلأ قبرها نوراً وسروراً وطمأنينة لا تنقضي.


المرحلة الثالثة: يوم القيامة والحشر

 

المتبرجة

تخيّلي النفخة في الصور وقد أخرجتكِ من قبركِ مغبرة من قرنكِ إلى قدمك، وها أنتِ تقومين على قدميكِ في زحمة الخلائق. عراة حفاة، والشمس قد دنت من الرؤوس، والعرق يسيل حتى يبلغ من بعضهم شحمة الأذنين.

أين جمالكِ الذي أبديتِه؟ أين زينتكِ التي آثرتِها على رضا ربك؟ الجمال اليوم لا يُغني شيئاً، والعطر الذي كنتِ تلفتين به الأنظار لا يُشم هنا، بل لا يُشم إلا عرق الندم وهول الموقف.

وتذكرتِ كل مرة قيل لكِ فيها: اتقي الله، فاستهترتِ. وكل مرة دعاكِ ضميركِ إلى التوبة فأسكتِّه. وها أنتِ اليوم في الموقف الذي لا مفر منه، والناس لا يلتفتون إليكِ، كل منهم يصرخ من أعماق روحه: نفسي نفسي.

تخيّلي نفسكِ في تلك الزحمة وحيدة وحدة ما وحدتِها من قبل.


العفيفة

تخيّلي العفيفة تخرج من قبرها وقد سترها الله بكنفه، لا يرى الخلق ما في صحيفتها، والله يناجيها مناجاة سرية كما روى ابن عمر رضي الله عنه: "إن الله يُدني المؤمن حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس".

وتتذكر كل لحظة صبرت فيها في الدنيا على أذى كلمة، أو نظرة استهزاء، أو باب أُغلق في وجهها بسبب حجابها. فتعلم أن الله لم ينسَ شيئاً.

وعرقها أقل مما تحتمل، لأن الله يكرم من أكرم نفسها من أجله.


المرحلة الرابعة: الوقوف بين يدي الله والحساب

 

المتبرجة

تخيّلي أن نُوديَ باسمكِ على رؤوس الخلائق، فوثبتِ ترتعد فرائصكِ، وأمسكت بكِ الملائكة تجذبكِ بين الصفوف إلى حيث لا مفر، حتى وقفتِ بين يدي الله.

وبدأ الله يُكلمكِ بعلمه المحيط، لا حجاب بينكِ وبينه، ولا ترجمان. وبدأ يُذكِّركِ ذنباً ذنباً:

"يا أمتي، خلقتُ لكِ وجهاً وجعلتُه مجلى لنور الفطرة، فجعلتِه فتنة تُعرض في الأسواق. خلقتُ لكِ شعراً وجعلته من جمالكِ الذي أودعتُه فيكِ أمانة، فنشرتِه حيث لا يحل. كسوتُكِ الحياء فخلعتِه إرضاءً للخلق. ألم تعلمي أنني كنت أراكِ؟"

"كم رجل فُتن بكِ فوقع في حرام وأنتِ سببه؟ ذلك في صحيفتكِ."

"ما غرَّكِ بي؟"

تخيّلي وقوفكِ بهذه الهيئة. الجوارح مرتعدة، والحجة داحضة، والقلب منكسر. تُحاولين أن تُجيبي ولا تجدين جواباً. كل ما يخطر ببالكِ من اعتذار يُدحض بعلمه الذي لا يخفى عليه شيء.

وبلغ الحياء منكِ منتهاه. أي حياء أعظم من الحياء من الله الذي لم تحتشمي منه في الدنيا؟


العفيفة

تخيّلي العفيفة وقد أُدنيت من الله وأُسدل عليها كنفه يسترها من الناس. وبدأ يُذكِّرها ذنوبها ذنباً ذنباً حتى ظنت أنها قد هلكت، ثم قال لها:

"يا أمتي، رأيتُكِ في الدنيا وقد آذاكِ الناس بألسنتهم، وأغلقوا في وجهكِ الأبواب، واستهزؤوا بحجابكِ وعفتكِ. ولم يمنعكِ ذلك عن حقي."

"سترتِ ما أمرتُكِ بستره، فأنا أسترُكِ اليوم."

"رأيتُكِ تبكين في الليل وتسأليني الثبات، وقد ثبَّتُّكِ. رأيتُكِ تُجاهدين نفسكِ حين زُيِّن لكِ ما يُغضبني فأعرضتِ، وقد حفظتُ ذلك كله."

"إني قد سترتُها عليكِ في الدنيا وأنا أغفرها لكِ اليوم."

فتخيّلي قلبها حين سمعت ذلك. ثار فيه من السرور ما يكاد يطير به، وأشرق وجهها، وابيضّ لونها. وقد أُعطيت كتابها بيمينها، وخرجت على الخلائق والملك ينادي على رؤوسهم:

"هذه فلانة بنت فلان سعدت سعادة لا تشقى بعدها أبداً."


المرحلة الخامسة: الصراط

 

المتبرجة

تخيّلي الصراط وقد نصب على جهنم. أدق من الشعرة وأحدّ من السيف. وأنتِ حاملة أوزارك على ظهركِ: كل نظرة جلبتِها بغير حق، وكل فتنة أشعلتِها، وكل صلاة أضعتِها في ساعة زينة، وكل رجل وقع في الحرام بسببكِ.

تخيّلي نفسكِ ترفعين قدمكِ لتطئي الصراط فوجدتِ بباطن قدمكِ حدته، وطار قلبكِ فزعاً. ثم خطوتِ الأولى وهي ترتجف تحتكِ، وجهنم تزفر من تحت الصراط وتشهق، وأمواجها تتلاطم في الظلام الهائل من أسفله.

وثقلت أوزاركِ فبطأت خطاكِ. ونظرتِ إلى من سقط من أمامكِ، ووجدتِ في قلبكِ ما لا يُوصف من الرعب. ثم زلّت قدمكِ.

تخيّلي تلك اللحظة التي قالت فيها نفسكِ: ذهبتُ، هذا الذي كنتُ أُحذَّر منه.

وأخذتكِ الكلاليب، وبادرت إليكِ النار ثائرة غضبانة، وأنتِ تهوين من الصراط وتنادين بالويل، وقد غلب على قلبكِ الندم: ألا كنتُ أرضيتُ الله فرضي عني.


العفيفة

تخيّلي العفيفة على الصراط والنور يسعى بين يديها وعن يمينها. وكتابها في يمينها. وهي تمر بقدر خفة أوزارها، وقد دعت في مسيرها:

﴿ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير﴾

والوجل لا يفارق قلبها حتى تجوز. ثم خطت بإحدى قدميها إلى العرصة التي بعد الصراط، وثنّت بالأخرى فجازت. والتفتت إلى الجسر وراءها فطار قلبها فرحاً إذ رأت عظيم ما نجّاها الله منه. وحمدت الله وازدادت له شكراً.


المرحلة السادسة: الجنة ونعيمها الأبدي

 

المتبرجة

تخيّلي وقوفكِ أمام باب الجنة وقد أُغلق دونكِ. ونظرتِ إليه وتذكرتِ كل لحظة كان فيها الباب أمامكِ مفتوحاً فآثرتِ غيره. ثم أُخذ بكِ إلى النار.

وحين دخلتِها التحمت عليكِ بحريقها، وبكيتِ فلم تُرحمي، وتضرعتِ فلم تُجابي. وذكرتِ الأهل والأقارب في الجنة فناديتِهم، فأجابوكِ بالخيبة لأنهم لا يملكون لكِ شيئاً. وفزعتِ إلى الله بالنداء، فسمعتِ بعد دهر طويل:

﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾

وأُغلقت أبواب النار عليكِ. فلما سمعتِ رجوف الباب وهو يُطبق، علمتِ أنه لا فرج بعد اليوم. خلود لا موت فيه، وعذاب لا زوال له، وعطش لا يُروى، وجوع لا يُشبع إلا بالزقوم.

تخيّلي ذلك بعقل فارغ، ثم اسأل نفسكِ: هل يستحق إعجاب الناس بكِ يوماً واحداً هذا المصير؟


العفيفة

تخيّلي العفيفة حين وافت باب الجنة. فنظرت إلى حسنه ونوره، وقلبها مستطير فرحاً. ثم فُتح الباب فهاجت أراييح الجنة في وجهها، المسك والزعفران والكافور والعنبر، تداخلت في مشامها حتى وصلت إلى قلبها.

وانغمست في عين الكوثر فوجدت برودة لم تعرف مثلها، ذهبت بكل حزن ووهج مرّ بها. وخرجت منها في أحسن صورة. ثم سمعت صرير أبواب الجنة حين فُتحت، وأقبلت الملائكة ضاحكة في وجهها قائلة:

﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾

ودخلت، ووضعت قدمها على تراب المسك ورياض الزعفران. وسمعت نداء: إن فلانة قد أقبلت. واستقبلها ما أعد الله لها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ثم كان أعظم ذلك كله وأجلّه، حين رُفعت الحجب:

فرأت وجه ربها الكريم.

فبلغت بذلك غاية الكرامة ومنتهى الرضا. وسمعت كلام حبيبها وخالقها:

"مرحباً بعبادي الذين رعوا عهدي وحفظوا وصيتي وخافوني في الغيب. تمنّوا عليّ ما شئتم."

فاستطارت قلوبهم فرحاً وسروراً لا يُشبهه شيء ذاقوه لا في الدنيا ولا في الجنة.


الخاتمة

أيتها الأخت،

لم أكتب هذا لأجلس فوق كرسي القضاء عليكِ، فالله وحده يعلم السرائر. ولكني كتبته لأن القلب إذا تخيّل أيقن، وإذا أيقن تحرّك.

وإن بين يديكِ اليوم ما لم يكن بين يدي المرأة التي ماتت بالأمس: فرصة لا تعرفين متى تنتهي. فكوني مع الله حيث أنتِ، واسأليه الثبات، فإنه لا يُضيع أجر من أحسن عملاً.

﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾

والله الهادي إلى سواء السبيل.


 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رقية الفصل والتحرير

أدعية تعينك وتساعدك في رقية نفسك لفك التعطيل عند قراءة سورة البقرة

تدبر سورة التوبة للبراءة والتبرؤ من العهود والمواثيق